الحكيم الترمذي
10
ختم الأولياء
إلى نيسابور وتحديثه فيها . وهذا كله ، مع اعترافنا بقيمته ، لا يشبع رغبة الباحث في استجلا . معالم شخصية فذة كشخصية الحكيم الترمذي ، ولا يصور الأثر البليغ الذي أبقاه في الأوساط العلمية والروحية هذا المفكر الاسلامي العظيم . ولعل أكمل وثيقة في هذا الميدان هي تلك الصورة الانسانية الجامعة ، التي خلّد فيها ذكرى الحكيم الترمذي ، شاعر الفرس العبقري فريد الدين العطار في كتابه الشهير « تذكرة الأولياء » [ 8 ] . فقد أبرز العطار ، في مصنفه الخالد ، شخصية الترمذي محاطة بهالة من النور والصفاء والقداسة ؛ وعرض امام انظارنا ملامح جذابة لحياة شيخنا الوقور ؛ وجمع لنا مواد طريفة ، شيقة عن دراسته وتربيته وسلوكه وبيئته العائلية الجميلة . بيد ان خيال الشاعر المجنح ، لدى وصفه الأشياء وتأريخه لها ، يعجز دون متابعته أو اللّحاق به راصد حركات الزمان ومؤرخ الوقائع المادية . . . ومع ذلك ، فلنستمع إلى شاعر الفرس وهو يقصّ علينا نبأ تعليم الترمذي الفتى ، بأسلوبه الانساني المؤثر وبطريقته الخاصة : « كان الشيخ الترمذي قد عقد النية في أول امره على الرحلة لطلب العلم « في رفقة اثنين من إخوانه . وفي أثناء ذلك مرضت أمه . فقالت له : يا بنيّ ، « إني امرأة ضعيفة ، لا عائل لي ولا معين يعينني ، وانك المتولي لامري ، فإلى « من تكلني وتذهب ؟ فنالت هذه الكلمات من نفسه وعدل عن الرحلة . « ومضى زميلاه في سبيلهما . « ثم مضى على ذلك بعض الوقت . فبينما كان في احدى المقابر يبكي « بكاءا شديدا ويقول : ها أنذا قد بقيت جاهلا مهملا ، وسيرجع أصحابي « وقد حصلوا على العلم - إذا به يرى أمامه ، فجأة ، شيخا مشرق الوجه . « فسأله الشيخ عن سر بكائه ، فأفضى اليه ( الفتى ) بحاله . فقال له الشيخ : « ألا أعلمك في كل يوم شيئا من العلم ، فلا يمر عليك كثير وقت حتى تسبق « إخوانك . فأجابه ( الفتى ) إلى ذلك .
--> ( 8 ) تذكرة الأولياء ، تحقيق نكلسون ( لندن وليدن 1905 - 1907 ) جزء 2 : 91 - 99 .